محمد حسين علي الصغير
57
نظرية النقد العربي ( رؤية قرآنية معاصرة )
والتراب . فاختار التراب ليومي إلى هذه الدلالة . وقد اعتبرها الزركشي ( ت 794 ه ) من مشاكلة اللفظ للمعنى ، ومتى كان اللفظ جزلًا كان المعنى كذلك ، وتابع في تعليله ابن أبي الأصبع فيما تقدم « 1 » . قال الزركشي « إنما عدل عن الطين الذي هو مجموع الماء والتراب إلى ذكر مجرد التراب لمعنى لطيف ، وذلك أنه أدنى العنصرين وأكثفهما ، لما كان المقصود مقابلة من ادعى في المسيح الإلهية بما يصغر خلقه عند من ادعى ذلك ، فلهذا كان الاتيان بلفظ التراب أمس في المعنى من غيره من العناصر » « 2 » . خامساً : والكلمة « فجرنا » في قوله تعالى : وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً « 3 » توحي زيادة على الوقع الهائل في تصور التفجير وما يصاحبه من صخب وتموج - بعدم المعاناة في السقي ، والإجهاد في الإرواء ، فالمياه متسلطة ، والأنهار جارية ، دون مشقة أو عناء ، فلا كراء مرير ، ولا توجيه لمجاري المياه ولا انتظار لهطول الأمطار ، فالتفجير حاصل متيقن ، وحاصله المياه الغزيرة . سادساً : وفي تكرار الكلمة نفسها ، واللفظ في صيغ معينة له دلالته على المعاني الموحية ففي الآيات ( 13 ، 14 ، 16 ، 20 ) من سورة ياسين ، تكرار لكلمة « المرسلين » ففي الآية الأولى أخبار عن مجيئهم ، وفي الثانية تأكيد لإرسالهم ب « انا » وفي الثالثة تأكيد مضاعف « بانا » واللام ، وفي الرابعة تحلية بالألف واللام الهدية . . وفي هذا التوسع بذكر المرسلين وتفاوت التأكيد تدريجياً بين الشدة والضعف ، تثبت بالاستدلال على صحة إرسالهم ، فالأولى ضمن جملة خبرية ، والثانية مؤكدة من قبلهم برسول ثالث ، والثالثة تؤكد بإصرار وحزم بعد تكذيبهم من قبل أممهم ، وفي الرابعة يرسل الرجل المؤمن رسالتهم إرسال المسلمات ، فيتحلى اللفظ بالألف واللام للعهد القديم المؤكد ، وكل هذا يوحي بصدق دعواهم ،
--> ( 1 ) ظ : فيما تقدم : القيمة اللفظية من هذا الفصل . ( 2 ) الزركشي ، البرهان : 3 / 378 . ( 3 ) الكهف : 33 .